العودة إلى الوطن بعد الثورة – لحظة لا تُنسى
العودة إلى الوطن بعد الثورة – لحظة لا تُنسى
دمعت عيناي عندما حطّت طائرة مصر للطيران عجلاتها على أرض مطار القاهرة الدولي، إذ كنت أعود لأول مرة منذ اندلاع ثورة 25 يناير.
كانت لحظة لا تشبه أي لحظة سبقتها، امتزجت فيها مشاعر الحب والخوف والحنين والفرح في وقت واحد. سنوات طويلة قضيتها بعيدًا عن الوطن، كنت أتابع أخبار مصر من الخارج بقلب يشتعل بالأسئلة، لكنني لم أتوقع أن أراها تتحرّر من عبودية الفرد بهذه الصورة السلمية والحضارية التي أدهشت العالم.
وجوه الناس تغيّرت... والعبوس اختفى
حين خرجت من المطار، كان أول ما حرصت عليه أن أبحث في ملامح المارة عن التغيير، فالمجتمعات – كما نعلم – تُعبّر عن تحوّلاتها من خلال وجوه أبنائها. وللحظة، شعرت أن العبوس الذي كان يكسو الوجوه قد زال، وأن روحًا جديدة بدأت تتسلل إلى الشوارع، وأن المصريين – كما عهدناهم في التاريخ – قد عادوا: أحرارًا، صادقين، مشرقين.
ذاكرة مؤلمة: حين كان الصوت لا يُسمع
تذكّرت، وأنا أتنفّس هواء القاهرة، آخر مرة شاركت فيها في انتخابات، وكانت في مجلس الشورى عام 1989. كنت شابًا متحمسًا في الثانية والعشرين من عمري، أؤمن بالحق والصندوق والتمثيل، وكنت مندوبًا لأحد المرشحين.
لكن ما رأيته كان قاسيًا: تزوير سافر، بطاقات مسوّدة مسبقًا، ونتائج محسومة قبل التصويت. طُلب منا أن نغادر اللجان بعد تسليم الصناديق، لأن "النتيجة خلصت". لم نملك وقتها سوى الانسحاب بصمت، والعودة إلى بيوتنا منكسي الرؤوس.
لحظة استرداد الوطن: أول استفتاء حر
وعندما صادفت زيارتي لمصر أول استفتاء دستوري حقيقي بعد الثورة، شعرت أن الزمن قد دار دورته. بعد 22 عامًا، أقف أمام لجنة انتخابية، وأدلي بصوتي بحرية وكرامة. لا ضغوط، لا تسويد، لا أمن يراقب من خلف الستار، لا تعليمات من الحزب الحاكم... بل شعب يقف في طوابير طويلة، سعيدًا بحقّه في الاختيار.
كان مشهدًا مهيبًا. مهرجان وطني حقيقي. رأيت من حضروا مبكرًا، نساءً ورجالًا، شبابًا وكبارًا في السن، ينتظرون دورهم بصبر واعتزاز. حكى لي أصدقائي عن أجواء التصويت في أحياءهم، وكيف كانت الناس تُعلّم بعضها، وتشجّع بعضها، وتصحح المعلومة لمن لم يفهم السؤال.
مصر التي تستفيق: العجوز التي صوتت كالرئيس
من أروع المشاهد التي لن أنساها، أنني رأيت امرأة مسنّة لا تعرف القراءة ولا الكتابة، جاءت لتدلي بصوتها بعد أن شرح لها أبناؤها معنى الاستفتاء. كانت تسير ببطء، ولكن بعزيمة. لحظة دخولها اللجنة كانت لحظة رمزية: صوتها بات يساوي صوت حسني مبارك ذاته أو أي رئيس محتمل. لقد استردّت مصر ابنتها، واستردّ المواطن المصري مكانته.
دور المؤسسة العسكرية: الحارس الصامت
من الإنصاف أن نذكر أن القوات المسلحة المصرية، في واحدة من أصعب لحظات تاريخ مصر، اختارت أن تقف إلى جوار الشعب. كان بإمكانها أن تحمي النظام القديم، كما حدث في بلدان أخرى. لكنها قرأت المشهد بعين الوطن، لا بعين الكرسي.
حين نزَلَت القوات إلى الشارع، لم تطلق الرصاص، بل حملت المصريين على الدبابات، ووقفت حائلًا بين الناس والفوضى. كانت رسالة ضمنية تقول: نحن مع الدولة، لا مع الأشخاص.
كان المشهد في الميادين يقول كل شيء دون كلمات: "الجيش والشعب إيد واحدة"، ليس مجرد هتاف، بل واقعًا تجلّى في المواقف.
مصر لن تسقط... بل تعود أقوى
حين قال المشير حسين طنطاوي عبارته الشهيرة: "مصر لن تسقط"، لم تكن مجرد كلمة سياسية، بل كانت إعلانًا رمزيًا بأن الوطن محفوظٌ برجاله ووعيه، وأن الدولة المصرية ستبقى ما بقي أبناؤها يحبونها.
اليوم، وبعد أن عبرنا تلك المرحلة، نستطيع أن نقول بكل ثقة: لقد كسبنا الحرية، ولكننا حافظنا على الدولة أيضًا. ثار الشعب، وأيّده الجيش، وانفتح الأفق، ولا تزال مصر تُكمل مسيرتها بثقة.
الخاتمة: مصر تنهض من جديد
لقد أثبت الشعب المصري أنه حين يثور، فإنه لا يحرق، بل يطهّر. وحين يطالب، فإنه لا يهدّم، بل يعيد البناء. وحين يحلم، فإنه لا يحلم لنفسه فقط، بل لأمّته كلّها.
نعم، لقد عادت لمصر شمسها الذهبية، وعاد معها شعبها... وها نحن نكتب صفحات جديدة من التاريخ، بقلمٍ حر، وصوتٍ مسموع، وإرادةٍ لا تنكسر.